محمد جواد مغنيه

178

الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة

واعتبر التعدي عليهم تعدّيا عليه بالذات ، وهذا السبب يرجع إلى الدين ، ولا شيء يوازي احترام العقيدة الدينية وتقديسها عند المسلمين وبخاصة في ذاك العهد . وهناك أسباب سياسية لتوالي المحن على آل البيت من الحكام ، وإذاعتها بين الجماهير أكثر من غيرها . لما يئس المسلمون من إصلاح الحاكم الظالم تمنوا أن يدبر شؤونهم إمام عادل ناصح للّه ورسوله ، وفي آل البيت خير من توافرت فيه هذه الصفات ، بل كان من المسلمين حزب قوي منتشر في أقطار الأرض يدين بالتشيع لهم ، ويرى أن الخلافة حق خصه اللّه بعلي وبنيه . وقد أعلن الشيعة هذا المبدأ في أشعارهم ، واتخذوه أساسا لتعاليمهم ، وعملوا على بثه في الجهر والخفاء ، ولم يتركوا فرصة تمرّ إلّا عدّوا مناقب آل البيت ومثالب من غصبهم هذا الحق . فرأى الحكام في آل البيت وشيعتهم خطرا كبيرا على سلامة الدولة وأمنها أكثر من غيرهم فخصّوهم بالقسط الأوفر من المحن ، ونكّلوا بهم بقسوة تفوق كل قسوة . وقد رأى الناس في هذه المحن موردا خصبا للتشهير بالحاكم وإثارة الجماهير ، ولا شيء كالخطوب والمآسي تستدعي عطف الناس ، وتثير إشفاقهم ورحمتهم ، وكلنا يعرف كيف استغلّ معاوية قميص عثمان لتأليب أهل الشام على عليّ . فالشيعة أذاعوا تلك المحن وبكوا واستبكوا الناس وفاء لأئمتهم ، ولبثّ الدعوة لهم ونشر مبادئهم . وأذاعها كل ناقم ومعارض للأنظمة السياسية الجائرة تبريرا لنقمته ومعارضته ، ودعما لأقواله وحجته تظلّم الشعب لآل البيت ، وفي الوقت نفسه عبّر بمحنهم عن ثورته على الفساد . إن محن آل البيت هي محن الشعب ، ومحنه محنهم ، وقد أعرب عن آلامه بما ألّم بهم ، لإثارة العواطف ، لأنّ من أساء إليهم فبالأحرى أن يسيء إلى غيرهم ، ولأنهم المجموعة الكريمة الطيبة التي يرى فيها الشعب مثاله الأعلى ويتمنى أن تقوده هي ، أو من يماثلها في الصفات والمؤهلات وإلّا فإن الثورة على النظام الجائر محتّمة لا محالة .